يوم الفقد..!! كأن الزمن توقف حينها ،حيثُ كنت في إغماء، والله إنها كانت ايام ثقال، وكأنني أتنفس من ثقب إبرة ملساء.
فقد أختل التوازن وتبعثرت الحياة، وكل ما حولي في انطفاء، وبعد رحلة الفقد وبكل مراحلها، من حزن والم ووجع وإستياء، أدركت أن الفقد في حياتي ترك مساحة بيضاء، تنتظر أن أملأ هذه الصفحات و كأني صخرة جرداء.
فعدت الى شغفي في الكتابة، كي تسمعوا صوتي من خلال الكلمات وحروف الهجاء، لقد تربيت على مفهوم العِشرة، مع كل من حولي ومجاورة السعداء.
ولا أنسى *(عشرة العُمر)* فما بالكم بعشرة عمر يربطها ميثاق غليظ تحت اعين الأقرباء، ميثاق يتضمن حق الصحبة، والترابط، والتراحم والعهد وحسن المعاشرة، والاحترام، والوفاء كما قال تعالى: *«وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا»* (النساء: 21)،
عقد وميثاق جليل ازداد قوة ،بعد ان وهبنا المولى البنين و البنات، ويشهد على عظمة هذا العقد كل من في الأرض و السماء، وبعد زمن من الميثاق الغليظ، جاءت فاجعة الفقد وتحلل هذا الميثاق وبدأ الابتلاء.
وصلتني رسالة من *"الأحوال المدنية "* نتقدم لكم بخالص التعازي، سائلين المولى المغفرة لفقيدكم، ونفيدكم بأنه يمكنكم إصدار وعرض شهادة الوفاة من خلال منصة أبشر".
لقد تم التغيير في بطاقتي الشخصية كلمة *" متزوجة "* إلى كلمة *"أرملة"*، ياله من صراع شديد ووجع صعيب، وحزن وعناء، والأشد الما، عندما شاهدت شهادة وفاة زوجي الأثير وهو يرقد تحت التراب، وما إن رأيت هذه التغيرات حتى انهالت دموعي وتفاقمت اوجاعي، وكأن الأيام لطمتني بشدة وقفلت في وجهي الأبواب.
بدأت مرحلة الترمل، أزمة نفسية واجتماعية لابد أن أتأقلم معها برغم كل الاسباب.
(أربعة أشهر وعشرة أيام) حداد وعزاء ايام تعبدية،وعلاجية، اتعايش مع الذكريات والتفكير يشد الاعصاب.
عندئذ احسست ان حياتي توقفت وتحولت تلك الصراعات إلى قلق وإحباط، وإنعزال واكتئاب،مما انعكست على ابنائي، والمحيطين حولي من الأحباب
فقد كان مسمى *ارملة* أشد وطأً وعبئاً على قلبي ينساب، فكيف استطيع ان اتعايش بها بسلام، واتخطى الى حياة التوزان، والأستقرار والأمان، برحمتك اجبرني يارحيم ياتواب فوجدت ضالتي في العبادات، والتقرب الى الله وملازمة القران، والبعد عن مسببات القلق، وهذا هو الصواب ، حينها شاع نور بداخلي وفتحت نوافذ الرضا ليشرق الاطمئنان والسلام النفسي من رب الأرباب
استوعبت انها عجلة الحياة، وكينونة الوجود، وضرورة تقبل هذه الحقيقة الخالية من الشواب، فإما أن أتماسك، واقوم بتحمل مسئولياتي، والنهوض من جديد ، وإما أن أنهار، استسلاماً للعديد من الذكريات، والآلام والاحزان والعزاء.
وقد عبّر نجيب محفوظ في *«الحرافيش»* عن الفقد كجزء من دورة الحياة المستمرة، حيث لا يعني الرحيل النهاية، بل امتداد التجربة الإنسانية بما فيها من حضور وغياب.
عندها فهمت أن الفقد ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد أكتبه وأنا أرتب أوراقه وأنثر فيه صفات فقيدي وذكراه الطيب الذي تركه لنا رثاء.
فارزقني يا الله صبراً واخلفني خيراً واكتب لي أجراً.
الكاتبة / ندى محمد صبر.
@nada_sabor